الشاعر العنيد والعاشق لبلاط صاحبة الجلالة، «حبيب العمر» الذي نسج بجدارة «حكاية غرام» سائلاً الربيع مناجياً وروده «عشانك يا قمر»، و«دارت الأيام» ويسأل «الحلو الكداب» فيجيب «نعم يا حبيبي نعم»، «أنساك ده كلام ده»، «أنا بعيد عنك حياتي عذاب»، و«إمتى هتعرف إمتى إني بحبك إمتى»،«بصراحة تهجرني بحكاية»، «طيب ليه خلتني أحبك».
هو ببساطة ودون مقدمات كثيرة الشاعر الراحل مأمون الشناوي، الذي يعد واحداً من أشهر شعراء زمن الفن الجميل، الذي كتب بقلبه قبل قلمه مئات الأغاني التي كان لها الفضل في شهرة مطربيها.
مأمون الشناوي
مأمون الشناوي الذي يمر على رحيله اليوم 28 عاماً، نفتح خزائن أسراره، نبحث في أوراقه، ونتأمل سطوره ونقف عند تفاصيل محطاته الإنسانية.
وننصت لابنه ناجي الشناوي، خريج كلية الفنون الجميلة، الذي لم يكن ابنه، فحسب بل صديقه الصدوق.
ناجي مأمون الشناوي
يصحبنا عم ناجي، المسمى على اسم صديق والده الشاعر الراحل إبراهيم ناجي، في رحلة شيقة ممتعة ويعود بنا إلى الوراء، لنستعيد معه قصص والده مع «الست» سيدة الشرق أم كلثوم، وندخل إلى مطيخ الصحافة لنتعرف على كواليس الأخوين مصطفى وعلي أمين، نبكي مع فريد الأطرش، ونعيش أجواء السلطنة مع محمد عبدالوهاب، ونختطف بعض من اللحظات الرومانسية مع عبدالحليم.
مأمون الشناوي
في مقهى «زهرة البستان» بشارع سليمان باشا العتيق، أحد أهم واقدم شوارع المحروسة التقيته ذلك الرجل الذي لم تنل منه السنوات إلا القليل وبابتسامة ارتسمت على بدأ حديثه بالقول: «مأمون ابن الشيخ سيد الشناوي رئيس المحكمة الشرعية العليا وأزهري حتى إن كامل الشناوي عمي من خريجي الأزهر أيضاً، رجل دائم التنقل بين محافظات مصر ولذا أماكن ميلاد أولاده كانت مختلفة».
وأضاف: «كامل مثلا وُلد في المنصورة بينما مأمون والدي في الإسكندرية، وكان جدي يمتلك مكتبة عظيمة تضم أمهات الكتب، مثل إصدارات المطابع الأميرية بالكامل، ودواوين الشعر لكل الشعراء في تلك الفترة، وكان من أحد المهتمين بعوالم الشعر، ومن هنا انطلق مأمون عشق الشعر وبدأ حياته شاعراً للفصحى وعندما بلغ من العمر 18 عاماً انضم إلى جماعة (أبوللو) للشعر ليصبح عضواً من أعضائها، وله أكثر من 12 قصيدة».
الطفل مأمون الشناوي
ويستعيد ناجي علاقة والده بجماعة «أبولو» للشعر، ويجيب عن سؤالنا لماذا ترك الفصحى واتجه للعامية؟ قائلا: «في لقاء بين والدي مع قناة (بي بي سي) سُئل هذا السؤال فأجاب بالحرف: رجلي وجعتني لما اتكعبلت فقلت آااه يا رجلي مش واه يا ساقي» فمن المنطقي أن أختار التعبير عن نفسي بتلك اللغة العفوية، التي تصل إلى قلوب الناس.
مأمون الشناوي
وننصت إلى مسيرة مأمون على لسان ولده ناجي: «توقف تماما عن الصحافة في أواخر الستينيات عندما خرجت شائعة من شخص مهم جدا اُتهم فيها بأنه من يكتب النكات التي كانت تقال على جمال عبدالناصر، رغم أن ناصر لم يكن يزعجه تلك النكات إلا أنها كانت تغضب من حوله، وأتذكر أن النكتة الوحيدة التي كانت تؤلم ناصر هي إن (واحد نصب على واحد والراجل جاله حالة نفسية وبقي يكلم نفسه في الشارع وبيشتم الله يخرب بيتك يا عبدالسلام زي ما خربت بيتي) مسكه الأمن وقاله وكمان بتغلط في اسمه».
وعن محطة صاحبة الجلالة في حياة والده مأمون يقول: «بدأت علاقة والدي بالصحافة عندما كان طالباً في مدرسة الخديوي إسماعيل، وكان مصطفى وعلي أمين زميليه في الفصل، وعمل الثلاثة في تصميم مجلات الحائط التي كانت تنال إعجاب الجميع، ولمحمد التابعي دور حيوي في تلك المحطة لأنه خال كامل ومأمون فعمل الثلاثة أصدقاء في مجلة روزاليوسف، فكانت البداية ثم انطلق إلى مؤسسة أخبار اليوم، التي كان واحداً من مؤسسيها، بعدها قرر مأمون أن يصدر مجلة وحده على حسابه الشخصين فكانت (كلمة ونص) التي استمرت 3 سنوات واستكتب فيها كل مثقفي وشعراء وأدباء تلك الفترة».
كاريكايتر مجلة كلمة ونص
وتابع: «كان من شروط المجلة أن لا يكتبوا أسماؤهم لحكمة لم أعرفها والحقيقة أن تلك المجلة كان لها فضل في اكتشاف عدد من المواهب الصحفية التي أصبحت فيما بعد أسماء لامعة مثل صلاح حافظ، ومحمود السعدني، وإبراهيم الورداني، ومن الموقف الطريفة التي لا تُنسى هو ما حدث مع محمود السعدني، الذي كان مسؤولاً عن قسم الحوادث، وتميزت أخباره بالغرابة والطرافة إلى جانب أنها كانت مفزعة ولكنها خفيفة الدم، وفي يوم فوجئ مأمون بهاتف من مدير أمن القاهرة يكذَّب كل الأخبار المنشورة، وقال لمحمود، (إما تنشر حوادث صحيحة أو تغادر المجلة تماماً)».
وواصل: «بالفعل فعلها السعدني، وأصبح لا يضع لمساته التي كانت تتميز بخفة الدم، فانخفض توزيع المجلة، فقال الشناوي له «لأ كده مش هينفع ياعم محمود، ارجع اعمل اللي كنت بتعمله».
ويحكي الابن العاشق لوالده عن مغادرته «أخبار اليوم» عندما خرجت دار التحرير إلى النور، حيث عمل في جريدة الجمهورية، ونجح في فترة وجيزة أن يكون له مقال ثابت صغير بعنوان «سبع أيام»، وهنا أتذكر جيداً تعليقين للراحل العظيم طه حسين على مأمون، الذي كان أهم ما أثر في حياة والدي، الأول انه كان يكتب عنوان مقاله بشكل غريب «سبع تيام» فقال أحد مهاجميه لطه حسين إن هذا انحدار في اللغة العربية، فرد الأخير قائلاً: «هذا خطأ محمود وليس خطأ مرفوضًا»، وكان التعليق الثاني له عندما حاورته آمال فهمي، واتهمته بأنه متحامل على شعراء العامية فقال بالحرف: «بالأمس سمعت السيدة أم كلثوم تشدو وتقول (كل نار تصبح رماد مهما تقيد إلا نار الشوق يوم عن يوم تزيد) وهذا شعر خالص للشاعر الغنائي مأمون الشناوي ومن هنا انطلقت عبارة الشاعر الغنائي التي نسمعها حتى اليوم.
ومن مأمون الشناوي الصحفي، إلى الشاعر الذي تألق في عالم الأغاني الراقية التي تعد علامة بارزة امتدت لتصبه قيثارة الأجيال، ينتقل بنا ناجي إلى اللقاء الأول الذي كان سبب علاقة وطيدة بين والده وأم كلثوم، عندما كان صحفيا صغيرا في بداية حياته في مجلة «روزاليوسف» ودخل عليه عمدة من عمداء أسيوط، حاملاً بين يديه ورقة من محكمة تقول إنه كسب قضية بضم السيدة أم كلثوم إلى بيت الطاعة، فما كان من مأمون إلا ونشر الخبر مرفقا به صورة الحكم، فغضبت الست ورفعت قضية على «روزاليوسف» وفي أول جلسة ذهب مأمون إلى المحمكة بحكم أنه المحرر الذي نشر الخبر، وشهدت غرفة المحامين اللقاء الأول عندما اختارته سوما التي لم تكن تعرفه وسألته «هي الجلسة هتبدأ إمتى وكانت متوترة جداً»، فرد عليها عندما نظر إلى يديه وكأنه ينظر إلى ساعته التي لم يرتديها طوال حياته: «تقريباً الساعة 9»، فردت «لأ.. أعتقد 10»، ومن ذلك الموقف تعرفا وأصبحا أصدقاء.
أم كلثوم
وعن حكاية حكم الطاعة يقول ناجي: «القصة فيها جزء حقيقي وآخر ليس حقيقياً، الست فعلا اسمها أم كلثوم لكن ليست هي، خاصة أن سوما اسمها الحقيقي فاطمة».
ويبدو أن علاقة سوما بمأمون كانت علاقة شديدة الرقي والإنسانية، فيتحدث ناجي عن الفترة التي أُبعد فيها والده عن معشوقته الصحافة في الستينيات: «الجميع ابتعد عنه لم نكن نسمع رنين هاتف منزلنا إلا من أشخاص محددين على رأسهم عمي كامل ومنهم السيدة أم كلثوم التي كانت تتصل دوماً وفي إحدى المرات قالت له فور سماع صوته (أنت نستنا ولا إيه يا مأمون) فرد عليها قائلاً: (أنساك ده كلام)، فقالت له (أنا عاوزة دي) فما كان منه إلا وعدها بأنه سيجهزها خلال ساعة وقد حدث بالفعل».
ويتابع: «الغريب أنها لم تغير فيها حرفاً كما كانت تفعل مع آخرين، ولهذه الأغنية قصة طريفة عندما رشح لها الراحل محمد فوزي فكانت النهاية على يد بليغ حمدي، والحكاية أن فوزي بالفعل لحن الكوبليه الثاني منها (كان لك معايا أجمل حكاية في العمر كله) وكان هو وبليغ عندها في المنزل، وبينما كان فوزي يتحدث لسوما أكمل بليغ اللحن فنال إعجاب فوزي، الذي بدوره صمم على أن يلحنها بليغ، قالاً للست: (لحنها أحسن مني)، واستمر التعاون بينهما حتى أن آخر أغنية غنتها الست على المسرح كانت (دارات الأيام) من تأليف والدي وبعد عامين توفت».
ولكن لم تخل العلاقة بين سوما ومأمون من الخلاف، هكذا سألت فرد ناجي دون تردد: «لم يقبل أن يغير أحدا من كلماته، وسوما كانت شهيرة بهذا التدخل، وكان لها بصمتها وتعديلاتها، وهو أمر لم يقبله مطلقاً، وأغنية (الربيع) خير مثال عندما عرضها عليها فقررت تعديل كلمات فيها فرفض، ومن عمارة الإيموبيليا البحرية حيث تسكن إلى الإيموبيليا القبلية حيث كان يسكن فريد الأطرش، اتجه مأمون فوافق الأطرش على غنائها دون التدخل فيها».
كوكب الشرق- أم كلثوم
«مأمون الشناوي فنان عبقري وفريد، ولكنه أب لن يتكررن كاريزما خفيفة الدم، ديمقراطي لم يتخل في اختيارتنا أو حياتنا، منحنا الحرية المرهونة بالمسؤولية»، هكذا ينتقل ناجي من محطة الفن إلى تفاصيل إنسانية يتذكر فيها فقدان والده لأعز ما يملك قبل وفاته بعامين.
مأمون الشناوي وابنه ناجي
ويضيف: «سماح ابنه أختي هي من كانت ترافقه طوال فترة مرضه، التي انتهت بنزيف حاد في الصدر، انتقل على أثره إلى مستشفى قصر العيني الفرنساوي، وهناك فاضت روحه وكنت أرافقه قبلها بساعات، لا أستطيع نسيان تلك اللحظة التي أحسست فيها باليتم، رغم أن عمري كان قد تجاوز الأربعين، افتقده كثيراً لا بل طوال حياتي، مأمون كان أباً ليس عادياً أو تقليدياً، أحببت كل أعماله لكن تظل (أنساك) عبقرية و (الدنيا ريشة في هوا) أسطورية و(بنادي عليك) تحمل أهم مقدمة موسيقية في تاريخ الغناء العربي، ولن أنسى ما قاله عن تلك الأغنية بخفة دم (أنا اتزنقت في القافية بتاعتها فكتبت (والحب من غير أمل أسمى معاني الغرام، إزاي بس حب إيه ده اللي من غير أمل)».