الزبير مهداد

مكتبة محمد بن راشد.. استثمار رائد

هنيئاً لشعب الإمارات بقيادته الحكيمة، وبمؤسساته الثقافية العتيدة، التي تعززت مؤخراً بمكتبة محمد بن راشد، واسطة عقد المكتبات الإماراتية والعربية.

وقد أسهبت المنابر الإعلامية العربية في الحديث عن هذا الصرح الثقافي الكبير، وعددت مكوناته ومرافقه. فذكرت أنها تضم مليون وعاء معلومات، ما بين الورقي والإلكتروني، المقروء، والمسموع، والمرئي، موزعة على تسع مكتبات، وقد وضع لها برنامج فعاليات ثقافية تشمل المعارض، والأمسيات الثقافية، وحفلات توقيع الإصدارات.

كما يضم هذا الصرح مسرحاً يتسع لخمسمائة متفرج، ويحوي شاشة للعروض السينمائية.

والمكتبة بكل مرافقها مفتوحة لكل عشاق المعرفة، وخصت فئتي الأطفال والشباب بمكتبتين جذابتين، كما سطرت برنامجاً حافلاً موجهاً لاستقطاب وجذب قراء الغد، لترسيخ حب الكتاب وعادة القراءة في النشء الصاعد.

لقد وضع قادة الإمارات أصابعهم على الداء، حين وجهوا عنايتهم للناشئة، فالأطفال والمراهقون والشباب لم يعودوا يولون الكتاب أهمية، فقد جذبهم عالم الصورة الجذاب، الذي رسخه فيهم التطور المتسارع لقطاع الاتصال والإعلام الإلكتروني بما يضمه من مواقع وشبكات تواصل اجتماعي، تسعى وراء الصورة إنتاجاً وتوظيفاً وتطويراً. 

حتى أضحى الأطفال والمراهقون من أكثر الكائنات التصاقاً بالأجهزة الإلكترونية، والأكثر استهلاكاً لبرامجها، بل ونشأت لديهم ثقة عمياء بها، واستعداداً لتقبل ما يعرض فيها.

المراهق عموماً لا يهتم بهذه الأوعية الورقية، التي لم تعد مُشَوِّقَة ومثيرة لاهتماماته، ولم تَعُد مصدراً وحيداً للمعرفة، التي أصبح ينهلها من وسائل الإعلام في جو من الحرية وبطرق تفاعلية. 

حتى أثرت في بنية إدراكه، التي أصبحت تختلف عن التفكير الخطي المنهجي المرتبط بالثقافة المكتوبة. 

بالمكتبة يمكن أن تتصدى الإمارات للآثار السيئة التي خلفها الإقبال الواسع على شبكات الإنترنت.

ولا شك في أن دبي كما هي إمارة اقتصادية، هي إمارة تنبض بالثقافة، حيث أكد خبراء التنمية الإنسانية الترابط الوثيق بين الازدهار الاقتصادي والاستثمار الثقافي، لأن الثقافة استثمار في الإنسان، وتأكد بالملموس أن العلاقة وثيقة بين تقدم الشعوب وبين إقبالها على القراءة، فهي أداة فهم الواقع والتخطيط للتحكم فيه وتطويره، بل والتأسيس لقواعد واقع جديد يلائم ظروف المجتمع وحاجاته المتجددة ومطالبه المتنوعة. إنها استثمار ولا يمكن أن تتحقق التنمية من دون القراءة والانفتاح على الكتب ومتابعتها، فالكتب هي خلاصة التجربة الإنسانية والإبداع البشري.

وقال عالم المستقبليات المغربي الراحل المهدي المنجرة -في حوار مع إحدى الصحف المغربية-: «إن المعلومات أصبحت تحتل في سياق التنمية مكانة مرموقة جداً، بل أصبحت تماثل في مكانتها المواد الأولية. فإذا كانت المواد الأولية ضرورية للإنتاج المادي في المجالات الصناعية والفلاحية والخدماتية، فإن إتاحة المعلومات وحسن استغلالها يمكن من حسن استغلال المواد الأولية وتنميتها واختراع مواد بديلة».

والمعلومات عنصر من عناصر الإنتاج كالمواد الأولية، وما يزيد هذه المادة أهمية كونها وسيلة لتنمية الموارد البشرية وتطويرها وزيادة كفاءتها. 

وهي عملية تكتسي أهمية قصوى في حقل التنمية الاجتماعية والاقتصادية لبلدان العالم الثالث. فتنمية المجتمع تتحقق حين يستطيع الأفراد تنظيم أنفسهم وتحديد حاجاتهم والتخطيط لتوفيرها، وهذا يقتضي تحديد الحاجات وتصنيفها وتحديد أهميتها وتعرف المشكلات وعوائق إشباع الحاجات، ورسم الخطط الكفيلة بتلبية الحاجات وعلاج المشكلات اعتماداً على الإمكانات المتاحة.

وهذه العمليات كلها يعتمد نجاحها على ما توفره المعلومات والبيانات من حقائق ومعطيات عن حياتنا وقضاياها وهياكلها ومشاكلها. 

هذه البيانات والمعلومات إذا استطاعت أن تغطي هذه الجوانب فإننا نؤلف بها صورة حقيقية عن القطاعات المراد أخذ تصور عنها.

إن القراءة تعد منذ أقدم العصور من أهم وسائل التعلم الإنساني لاكتساب المعارف ومهارات تطوير الذات وتعميق الخبرات. 

فالقراءة كانت على الدوام أداة لتهذيب الإنسان وتطويره. 

وما زالت تحظى بالتقدير والاهتمام من طرف الأفراد والهيئات والحكومات الذكية.

لكن للأسف، واقع حال مجتمعاتنا العربية لا يسر، وحصة المواطن العربي في القراءة لا يتعدى 6 دقائق في السنة، مقابل 36 ساعة في أوروبا.

وفي ظل غياب لسياسات تتصدي لهذه الظاهرة، يظل الأمل معقوداً على دولة الإمارات العربية المتحدة لتلميع وجه الأمة العربية، بإصداراتها الثقافية المتنوعة والغنية، وفعالياتها ودعمها للثقافة والتراث العربيين، وتشجيعها للإبداع والابتكار.

فهنيئاً لشعب الإمارات بقيادته، وهنيئاً للأمة العربية بالإمارات العربية المتحدة.