خور دبي.. شريان سياحي وتجاري ينبض بأصالة الأجداد

هناك فقط تستطيع أن تشتم رائحة الزمن القديم.. هناك فقط يأتيك الماضي بكل عبقه وتغزوك رائحة المستقبل بكل سحره.

على الرغم من تلك الأضواء البراقة اللامعة التي تخطف القلوب قبل الأبصار، إلا أن الإحساس بأن صفحات تلك المياه تخفي وراءها الكثير من الحكايات والأساطير لا يفارقك أبداً، فما أن تحط بقدميك على أرض منطقة خور دبي وتقف أمام المطاعم العائمة الضخمة إلا ويشد انتباهك الجانب الآخر من الضفة.

تقف أمام الخور الذي يحمل بين راحتيه رائحة تاريخ الأجداد، فتجد نفسك وقد التقيت بالتاريخ، حيث كان واحداً من أكبر المراكز التجارية النشيطة والمتطورة في المنطقة، نظراً لموقع المدينة الحيوي، إذ تقع دبي على شاطئ ميناء طبيعي، ويمثل الخور الذي يمتد عشرة أميال أفضل الموانئ الطبيعية في جنوب الخليج.

خور دبيخور دبي

أقف أمامه فاسترجع أهميته التي كانت جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية لسكان دبي القديمة في هذا الوقت، وخاصة لغواصي اللؤلؤ والتجار وصيادي السمك والبدو الذين كانوا يفدون إلى قرى الساحل موسمياً لمزاولة الغوص والصيد، ومع مرور الزمن تفرعت دبي إلى ثلاث مناطق رئيسة: ديرة على الضفة الشرقية للخور، وهي المنطقة الأكبر والمركز التجاري الرئيسي، والثانية بر دبي والثالثة الشندغة على الضفة الغربية للخور التي كان يفصل بينها وبين بر دبي حاجز رملي يدعى «الغبيبة»، وعادة ما كان الخور يغمر هذا الحاجز بمياهه عندما يحدث المد.

خور دبيخور دبي

أسطورة تاريخية

ها أنا أقف أمام أقدم ممر مائي في شبه الجزيرة العربية، أتأمل المكان من حولي فينتابني إحساس بأن هذا الممر ليس مجرد قناة مائية تربط بين ضفتين من المياه، وكيف يكون كذلك فقط وهو يبلغ من العمر ما يمتد إلى أكثر من 1000 عام، ليشكل ويحكي بشكل كافٍ تاريخ مدينة دبي، فكم من حضارات نشأت على ضفاف الأنهار والخلجان، مشهد الخور بمياهه التي تحمل على صفحتها تلك القوارب الصغيرة كفيل بأن يجعلني أقول إنني أمام أسطورة من أساطير دبي.

على ضفاف مياه خور دبي العتيق وقفت ورحت في حالة من الصمت، حيث قريتي التراث والغوص تقفان شاهدتين على فلسفة دولة بأكملها، وهؤلاء الجالسين على المقاهي المنتشرة على تلك الضفاف القديمة، هربوا من الضوضاء تاركين كل الأماكن الفخمة المميزة ليقع اختيارهم على تلك المنطقة التي تحمل رائحة التاريخ.

تتوسط منطقة الشندغة تقف صورة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بشموخ، ونظرته الحانية المطلة على أبنائه دفعتني دفعاً لكلماته التي حملت منهجاً فريداً انتهجه أبناء هذا البلد الذي رأى أن اتحاده قوة وراح يعدو إلى أن وصل للعالمية عن جدارة، وحدها كلماته كانت رفيقتي طوال خطواتي في خور دبي الذي يحتضن منطقة «الشندغة» التي ينبعث منها التاريخ، وحدها صورة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وعبارته التي رسمت لأبنائه الطريق: «لقد ترك لنا الأسلاف من أجدادنا الكثير من التراث الشعبي الذي يحق لنا أن نفخر به ونحافظ عليه ونطوره ليبقى ذخراً لهذا الوطن وللأجيال القادمة».

الشيخ زايد بن سلطان آل نهيانالشيخ زايد بن سلطان آل نهيان

العَبرة التراثية

عندما تقف على ضفاف مياه خور دبي تتأمل ألوان وملامح ووجوه وأحلام صغيرة بسيطة تنقلها تلك القوارب الخشبية الصغيرة، على حافة مياه الخور تعبر «العَبرات» من ضفة إلى أخرى في رحلات قصيرة بدرهم واحد مثابرة صابرة ترسم بها صورة حيوية لمياه الخور.

وكأنني أقف أمام لوحة إبداعية رسمتها ونحتتها أيدي ربانية بعقول بشرية، حول الخور تطل الأماكن في صورتها البدائية الأولى لتمثل بصمة المياه التي تحمل التاريخ بين جنباتها وضفافها.

مشهد يجعلك تعود للوراء أزماناً حتى منتصف القرن الماضي لتستعيد الحياة القديمة للأجداد، لم يكن في دبي شبكة طرق رسمية، بل إن طرقها كانت عبارة عن ممرات ترابية ضيقة لا تسمح بمرور السيارات، لذلك كانوا يستخدمون الحمير أو الجمال للتنقل، ولأنه لم تكن لديهم جسوراً على الخور لتصل بين شطري دبي، فقد كان على البشر أن يتحملوا رحلة مضنية للانتقال من ضفة إلى أخرى وذلك بالدوران حول نهاية الخور.

دبيدبي

وكان يمكنهم أيضاً التنقل بواسطة العبرة، وهي عبارة عن قارب صغير يسير بالتجديف ينقل الناس من ضفة إلى أخرى، واستخدم الناس «عبرة» خاصة تنقلهم إلى السفن الراسية بعيداً عن سواحل الخور، هكذا كان الخور شرياناً لحياة المدينة قديماً وحتى الآن.

ذاك المكان وتلك العبرات – أي القوارب الصغيرة- لا زالت تحمل تلك الوجوه والأحلام عبر الضفتين، لم أملك أمام ذلك المشهد إلا أن أمتطي معهم تلك العبرات الصغيرة، الأيدي الممدودة لمساعدتي في الركوب لا تعد ولا تحصي، أجلس وأستقر بجانب تلك الوجوه التي اصطبغت بلون كافة الجنسيات والمستويات ما بين الأيدي العاملة، والإماراتيين والسائحين من كل حدب وصوب.

مركب سياحي في خور دبيمركب سياحي في خور دبي

رائحة الأجداد

ها نحن قد وصلنا إلي الضفة الأخرى، وها هو السوق القديم يطل علينا برائحته التراثية ومحلاته التجارية البسيطة البعيدة عن الأضواء البراقة اللامعة التي تحملها المراكز التجارية ذات فئة الخمسة نجوم، لا تستطيع أن تمنع قدميك من السير عبر تلك الأزقة القديمة، حياة ونشاط ووجوه قديمة وسائحين من كل الجنسيات في الشوارع والأزقة الضيقة، وكل ما تتمناه من بضائع تجده بين يديك، لفت نظري ذلك الشاب الإماراتي الذي يصطحب صديقه إلى أحد المحال التي تبيع التحف التراثية القديمة، اقتربت منه ليحدثني عن زيارته لهذا المكان العتيق فأجابني: لا أجد متعتي سوى بين التحف القديمة التي أجد أسعارها مناسبة هنا، ثم إنني أجيء إلى هذا المكان ليس فقط للتسوق، بل لأنني أيضاً أفضل منطقة الخور وأجدها مناسبة للغاية للتنزه، ولا أفضل العبور إلى ضفة السوق في القوارب الكبيرة السياحية، ولكنني أعشق عبراتنا القديمة التي كان جدي «رحمه الله» يحكي لي عنها، وكيف كان يعبر من خلالها إلي الضفة الأخرى من أجل عمله ورزقه، العبرة ومنطقة الخور أشم فيها رائحة أجدادنا الذين تعبوا وعانوا من أجل الوصول إلى تلك الراحة التي يعيش فيها أبناء جيلنا.

أتجول في السوق القديم على ضفاف منطقة الخور العتيقة فيلفت نظري كم السائحين الهائل الذين يرتادون المحلات، خاصة تلك التي تبيع العطور القديمة، والذين يستسلمون مع كافة الجنسيات التي ترتاد المنطقة للتنزه ومتعة التنقل بالعبرات القديمة وسط مياه الخور.

حديقة الخور في دبيحديقة الخور في دبي

رحلة كفاح

كدت أن أغادر خور دبي بأسواقه القديمة، ولكنني توقفت لالتقاط النفاس، انتظاراً «لعبرة» تنقلني إلى الجانب الآخر، ولكن مشهد الشيخ الإماراتي المسن الذي يقترب من السبعينيات جالساً متأملاً صفحة مياه الخور دفعني دفعاً لاقتحام ذاكرته لأعود معه للوراء وأرى بعيونه تاريخاً أصيلاً قديماً يحمل حكايات الأجداد.

تحدث الوالد الذي اكتفى بالتعريف عن نفسه باسم «أبومحمد»، عن منطقة الخور وكأنه يتكلم عن ابن من أبنائه: تلك المنطقة التي تحمل التاريخ ومياه الخور هي التي توثق وتؤرخ أسرار آبائنا وأجدادنا، «الخور» قنطرة التواصل بين ثقافات البلدان، ليس ممراً مائياً فحسب بل إنه أسطورة أجدادنا التي يصل عمرها إلى أكثر من 1000 عام.

وأسهب في حديثه عن أسواق دبي التي كانت منذ نشأتها تعج بالبضائع القادمة من كل أنحاء العالم منذ القرن الماضي، حيث وصف السوق في ذلك الوقت بالمنطقة التجارية التي تعجُّ بالنشاط والحيوية، وتقع في منطقة ديرة، وكانت تتكون من 350 محلاً تجارياً ويصل بين هذه المحلات ممرات مسقوفة، حيث كان يجلس التجار مع بضائعهم في محلات على شكل كوى ـ جمع كوة وهي الفتحة في الجدار ـ وكانوا يستخدمون المصابيح الزيتية لإضاءة مخازنهم أو محلاتهم.

وعند الإغلاق يستخدمون هذه المصابيح لإنارة طريق العودة إلى البيوت، واعتاد الكثير من المارة التوقف لقضاء الصلاة أو الاستراحة في السوق، والتعرف على الصناع والتجار، ولقد أنارت المصابيح الزيتية الزجاجية الطرقات والمحلات التجارية قبل معرفة الكهرباء عام 1952.

وكان السكان يستوردون الفحم النباتي من داخل عمان من أجل استخدامه في أغراض الطهي وصنع القهوة، هكذا عاش الأجداد وكافحوا إلى أن أصبحت منطقة الخور وتحديداً السوق القديم على قمة العالمية.

وكما يقولون ختامه مسك، جاءت كلمات الوالد الإماراتي الذي شدني حديثه وعباراته الرنانة، خير ختام لجولة حالمة هادئة ممتعة على ضفاف خور دبي.